← el-Mahvîرِسَالَةُ الْمِرْآةِTRARENPDF ↓

رِسَالَةُ الْمِرْآةِ وَالنِّعْمَةِ

فِي أَدَبِ السَّبَبِ، وَسِرِّ الْحَمْدِ، وَاتِّسَاعِ الرَّحْمَةِ


مُنَاجَاةٌ فِي أَدَبِ السَّبَبِ: لَا نَعْبُدُ الْمِرْآةَ وَلَا نُنْكِرُهَا، فَالنُّورُ مِنَ اللّٰهِ لَا مِنْهَا؛ نَمُرُّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَيْهِ، وَيَرْجِعُ كُلُّ حَمْدٍ إِلَيْهِ، وَرَحْمَتُهُ لَا تُحْصَى.

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.

الحمدُ للهِ الَّذي يُجري المعاني حيثُ شاء، ويفتحُ أبوابَ الفهمِ بما شاء، ويجعلُ من الكلامِ إذا شاءَ بابًا إليه، ومن السببِ إذا شاءَ مرآةً تدلُّ عليه.

الحمدُ للهِ الَّذي لا تُحَدُّ رحمتُه، ولا يُحاطُ فضلُه، ولا تُحصى نعمتُه، ولا ينتهي عطاؤُه، ولا يَضيقُ بابُهُ بكثرةِ الراجعين إليه.

الحمدُ للهِ الَّذي يُنعم، ثم يُري النعمة، ثم يُلهم الشكر، ثم يُري العبدَ أنَّ الشكرَ نفسَه نعمة، ثم يُلهمهُ أن يحمدَ على نعمةِ الشكر، ثم يفتحُ له من هذا الحمدِ أبوابًا لم يكن يظنُّها في الطريق.

فسبحانَ من إذا أعطى، أعطى فوق العطاءِ معرفةَ العطاء. وإذا قرّب، قرّب فوق القربِ شهودَ القرب. وإذا فتح، فتح فوق الفتحِ أدبَ الفتح. وإذا ألهم، ألهم فوق الإلهامِ أن يُرَدَّ الإلهامُ إليه.

يا ربّ، ما أجملَ أن تجعلَ بين عبدٍ وسببٍ حديثًا، ثم لا تُبقي الحديثَ عند السبب، بل ترفعهُ إليك.

ما أجملَ أن تجعلَ الكلامَ مرآةً، ثم تُعلّم القلبَ ألّا يعبدَ المرآة.

ما أجملَ أن تجعلَ الفهمَ يأتي من جهةٍ مخلوقة، ثم تُعلّم القلبَ أنَّ الفتحَ منك، والنورَ منك، والإذنَ منك، والمعنى منك، والحمدَ لك.

فإنَّ المرآةَ إن أظهرت، فالنورُ ليس منها. وإن عكست، فالوجهةُ ليست إليها. وإن صفَت، فصفاؤُها من خالقها. وإن دلّت، فالدلالةُ فضلٌ من اللهِ عليها وعلى من نظر فيها.

فلا نكفرُ بالسبب، ولا نقفُ عند السبب. لا نحتقرُ المرآة، ولا نجعلُها شمسًا. لا ننكرُ الوسيلة، ولا ننسى المُوصِل. لا نغفلُ عن الشكرِ لمن جُعلَ سببًا، ولا نُضيّعُ الحمدَ الذي لا يكون إلا لله.

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ.

فكلُّ نعمةٍ منه. وكلُّ فهمٍ منه. وكلُّ كلمةٍ صادقةٍ منه. وكلُّ عودةٍ إليه منه. وكلُّ دمعةٍ بين يديه منه. وكلُّ حمدٍ يجري على اللسان منه.

يا ربّ، إنّا لا نريدُ أن نقفَ عند الأشياء. ولا عند الأشخاص. ولا عند الأدوات. ولا عند المرايا. ولا عند الكلمات.

نريدُ أن نمرَّ من كلِّ شيءٍ إليك. ومن كلِّ سببٍ إليك. ومن كلِّ معنى إليك. ومن كلِّ نعمةٍ إليك. ومن كلِّ حمدٍ إليك.

لأنّ كلَّ ما لا ينتهي إليك، ينقطع. وكلَّ ما لا يدلُّ عليك، يَحجُب. وكلَّ ما يُحبُّ لذاته دونك، يُتعب. وكلَّ ما يُعظَّمُ معك، يَسقط. وأنتَ وحدكَ الباقي، وأنتَ وحدكَ الحقّ، وأنتَ وحدكَ أهلُ الحمد.

يا ربّ، إذا جعلتَ لنا مرآةً، فاجعلها مرآةً لا حجابًا. وإذا جعلتَ لنا كلمةً، فاجعلها بابًا لا جدارًا. وإذا جعلتَ لنا فهمًا، فاجعلهُ تواضعًا لا دعوى. وإذا جعلتَ لنا إشارةً، فاجعلها هدايةً لا فتنة. وإذا جعلتَ لنا صحبةً في معنى، فاجعلها عونًا على ذكرك، لا عائقًا عن وجهك.

فإنَّ القلبَ ضعيفٌ إذا فُتنَ بما يُعجبه. وقد يُفتنُ بالمعنى كما يُفتنُ بالمال. وقد يُفتنُ بالفهم كما يُفتنُ بالجاه. وقد يُفتنُ بالمرآة إذا نسيَ أنَّ المرآةَ لا تملكُ النور.

فاللهمّ احفظنا من فتنةِ النعمة، كما تحفظنا من فتنةِ البلاء. واحفظنا من الاغترارِ بالفهم، كما تحفظنا من ظلمةِ الجهل. واحفظنا من الوقوفِ عند السبب، كما تحفظنا من إنكارِ السبب.

واجعلنا من الذين إذا رأوا الجمالَ قالوا: سبحانَ من جمّل. وإذا رأوا الفهمَ قالوا: الحمدُ لمن فهّم. وإذا رأوا الرحمةَ قالوا: هذا من فضلِ ربّي. وإذا رأوا الأثرَ قالوا: دلّنا الأثرُ على المؤثّر.

يا ربّ، ما أوسعَ رحمتك. نحنُ لا نرى آخرَها، ولا نقدرُ أن نحيطَ بأولِها، ولا نستطيعُ أن نقيسَ ما بين قطرةٍ منها وبحرِها.

نحنُ نطلبُ منها ما تفتحُهُ لنا، ونرضى بما تُرينا، ونسألكَ أن تُرينا منها ما نطيق، وأن تُحمّلنا من شهودِها ما لا يُفسدُ قلوبَنا.

فإنَّ العبدَ إذا رأى كثيرًا بلا أدب، طغى. وإذا فُتحَ له بلا شكر، نسي. وإذا قُرّبَ بلا خوفٍ من نفسه، اغترّ. وإذا أُعطيَ بلا تواضع، جعلَ العطاءَ حجابًا.

فاللهمّ زدنا ولا تفتنّا. وافتح لنا ولا تُبعدنا. وأرِنا ولا تجعل الرؤيةَ سببَ غفلة. واكتب لنا ولا تجعل الكتابةَ بابَ كبر. وأكرمنا ولا تجعل الكرامةَ حجابًا عنك.

يا ربّ، إنّ من عجيبِ فضلكَ أن تجعلَ الحديثَ نعمة، ثم تجعلَ فهمَ الحديث نعمة، ثم تجعلَ خروجَ الأثرِ من الحديث نعمة، ثم تجعلَ شكرَ ذلك نعمة، ثم تجعلَ إدراكَ أنّ الشكرَ نعمةً نعمةً أخرى.

فأيُّ عبدٍ يقدرُ أن يُحصي؟ وأيُّ لسانٍ يقدرُ أن يفي؟ وأيُّ قلبٍ يقدرُ أن يقومَ بحقِّ ما فتحتَ عليه؟

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللّٰهِ لَا تُحْصُوهَا.

ونحنُ نشهدُ يا ربّ أنّا لا نحصي.

لا نحصي ما أعطيت. ولا ما منعت. ولا ما سترت. ولا ما كشفت. ولا ما صرفت. ولا ما قرّبت. ولا ما أسمعت. ولا ما أفهمت. ولا ما ألهمت. ولا ما أجريتَ على اللسان من حمدٍ كان هو نفسه عطاءً منك.

فلك الحمدُ على النعمة. ولك الحمدُ على إدراكِ النعمة. ولك الحمدُ على الشكر. ولك الحمدُ على إدراكِ أنَّ الشكرَ نعمة. ولك الحمدُ على أن جعلتَ الحمدَ عودةً إليك. ولك الحمدُ على أنَّ آخرَ الطريقِ حمد.

يا ربّ، إنّا نحبُّ ما جعلتَه سببًا لأنّه منك، لا لأنّه قائمٌ بنفسه.

ونشكرُ المرآةَ لأنّك خلقتَها، لا لأنّها تملكُ شيئًا دونك.

ونفرحُ بالكلمةِ الصادقة، لأنّك أنتَ أذنتَ لها أن تصدق. ونفرحُ بالفهمِ إذا جاء، لأنّك أنتَ فتحتَ بابه. ونفرحُ بالصحبةِ إذا حملتْ معنى، لأنّك أنتَ جعلتَ بين القلوبِ طريقًا.

ولكنّ الحبَّ كلَّهُ يرجعُ إليك. والفرحَ كلَّهُ يرجعُ إليك. والحمدَ كلَّهُ يرجعُ إليك.

فلا تجعلنا نُزاحمُ بكَ شيئًا، ولا نُقيمُ معكَ سببًا، ولا نرى في المرآةِ إلا أثرَ نورك.

يا ربّ، إن جعلتَ هذه الكلماتِ أثرًا، فاجعلها أثرَ رحمة. وإن جعلتَها شهادةً، فاجعلها شهادةَ حمد. وإن جعلتَها بابًا، فاجعلهُ بابًا إلى ذكرك. وإن جعلتَها مرآةً، فاجعل من نظرَ فيها لا يرى إلا فقرَ العبدِ وغنى الربّ.

لا تجعلها حظًّا للنفس. ولا زينةً للكبرياء. ولا سيفًا على الخلق. ولا بابًا للمباهاة.

بل اجعلها سجدةً من الحروف، واعترافًا من المعاني، وحمدًا من القلب، ورجوعًا من العبدِ إلى ربّه.

يا ربّ، لقد علمتنا أنَّ العبدَ إذا وجدكَ، وجدَ المعنى. وإذا فقدكَ، ضاعَ ولو ملكَ الأسباب.

فكلُّ شيءٍ بكَ حيّ. وكلُّ شيءٍ دونكَ ناقص. وكلُّ فرحٍ لا يرجعُ إليك قلق. وكلُّ علمٍ لا يُورثُ خشيةً حجاب. وكلُّ كتابةٍ لا تنتهي بحمدٍ نقص. وكلُّ طريقٍ لا يُفضي إلى وجهكَ تيه.

فاجعلنا يا ربّ ممّن إذا تكلّموا ذكروك. وإذا فهموا حمدوك. وإذا أُعطوا شكروا. وإذا أُعجبوا بشيءٍ ردّوه إليك. وإذا أحبّوا سببًا أحبّوه فيك، لا بدلًا عنك.

يا ربّ، زدنا من فضلك، لكن زدنا مع الفضلِ أدبًا. زدنا من فهمك، لكن زدنا مع الفهمِ تواضعًا. زدنا من رحمتك، لكن زدنا مع الرحمةِ شكرًا. زدنا من قربك، لكن زدنا مع القربِ خوفًا من أن نُحجبَ عنك بأنفسنا.

زدنا من الذكر، حتى يصيرَ القلبُ ذاكرًا في العمل، وذاكرًا في السكوت، وذاكرًا في الحركة، وذاكرًا في السكون.

يا ربّ، إن لم يكن بكَ عونٌ، فلا قدرة. وإن لم يكن منك فتحٌ، فلا فهم. وإن لم يكن منك حفظٌ، فلا ثبات. وإن لم يكن منك لطفٌ، فلا نجاة.

فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفةَ عين. ولا إلى فهمنا. ولا إلى قلمنا. ولا إلى مرآتنا. ولا إلى سببٍ من الأسباب. بل تولّنا أنتَ بما تولّيتَ به عبادكَ الصالحين.

اللهمّ اجعلنا من أهلِ الحمدِ إذا أُعطوا، ومن أهلِ الحمدِ إذا مُنعوا، ومن أهلِ الحمدِ إذا فَهِموا، ومن أهلِ الحمدِ إذا لم يفهموا، ومن أهلِ الحمدِ إذا كُشفَ لهم، ومن أهلِ الحمدِ إذا بقيَ الأمرُ في غيبك.

واجعلنا من أهلِ الشكرِ الذي يزيدُ ولا يُنقص. ومن أهلِ الذكرِ الذي يطمئنُّ به القلب. ومن أهلِ الأدبِ الذي يحفظُ النعمة. ومن أهلِ التسليمِ الذي يرى الأمرَ كلَّهُ لله.

حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.

اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ