فِي أَنَّ الثَّمَرَ مِنَ اللّٰهِ، وَالْهَزَّ مِنَ الْعَبْدِ
مُنَاجَاةٌ مِنْ «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ»: الثَّمَرُ مِنَ اللّٰهِ وَالْهَزُّ مِنَ الْعَبْدِ؛ يَعْمَلُ الْعَبْدُ أَدَبًا لَا أَنَّ السَّبَبَ مِنْهُ — وَفِي كُلِّ ثَمَرَةٍ تَسْقُطُ: «هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي».
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.
يا ربّ، علّمتَنا أنَّ الثمرَ ليس من اليد، وإنما اليدُ تُؤمَر أن تهزّ. وعلّمتَنا أنَّ الرزقَ ليس من الحركة، وإنما الحركةُ بابُ أدبٍ بين العبدِ وربّه. وعلّمتَنا أنَّ النخلةَ لا تُعطي لأنَّ العبدَ قويّ، بل لأنَّ اللهَ أمرَها أن تُعطي.
فإذا هززنا، فليس الفضلُ للهزّ. وإذا سقطَ الثمر، فليس المجدُ لليد. وإذا أكلَ القلبُ من الرزق، فليس الحمدُ إلا لله.
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا.
يا ربّ، ما أعجبَ أمرك.
تأمرُ الضعفَ أن يهزّ. وتأمرُ الجذعَ أن يُثمر. وتجعلُ الحركةَ الصغيرةَ بابًا للرزقِ الكبير.
فالعبدُ لا يخلقُ الثمر. ولا يُنزلُ الرطب. ولا يملكُ سرَّ النضج.
إنما يمدُّ يدهُ طاعةً. ويهزُّ امتثالًا. وينتظرُ فضلًا. فإذا سقطَ الثمرُ قال:
هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي.
يا ربّ، إن كان في القلبِ جذعٌ يابس، فأنتَ تُخرجُ منه الرطبَ الجنيّ. وإن كان في الصدرِ تعب، فأنتَ تجعلُ التعبَ بابَ ولادة. وإن كان في الطريقِ وحشة، فأنتَ تجعلُ الوحشةَ موضعَ نداء. وإن كان في العبدِ عجز، فأنتَ تجعلُ العجزَ بابَ كرامة.
فسبحانَ من لا يحتاجُ إلى قوّةِ العبد، ولكنه يحبُّ من العبدِ صدقَ التوجّه.
سبحانَ من لا يعجزُه أن يُسقطَ الثمرَ بلا هزّ، ولكنه يعلّمُ العبدَ أنَّ الأدبَ أن يتحرّكَ بأمره، لا أن يتفرّجَ على عطائه.
يا ربّ، اجعل لنا من كلِّ ضيقٍ نخلة. ومن كلِّ سكونٍ أمرًا. ومن كلِّ ألمٍ ثمرة. ومن كلِّ انتظارٍ رزقًا. ومن كلِّ هزّةٍ حمدًا.
ولا تجعلنا إذا سقطَ الثمرُ نقول: نحنُ هززنا. بل اجعلنا نقول:
أنتَ أمرتَ. وأنتَ أنضجتَ. وأنتَ أسقطتَ. وأنتَ أطعمتَ. وأنتَ سترتَ. وأنتَ كفيتَ.
يا ربّ، إذا أمرتَنا أن نهزّ، فحرّكنا بك. وإذا أسقطتَ الثمر، فاحفظنا من رؤيته لأنفسنا. وإذا أطعمتَنا، فلا تجعل الرزقَ حجابًا عن الرازق. وإذا أخرجتَ منّا أثرًا، فلا تجعل الأثرَ فتنةً لنا.
اجعل العملَ طاعة. واجعل الثمرَ نعمة. واجعل النعمةَ شكرًا. واجعل الشكرَ حمدًا. واجعل الحمدَ رجوعًا إليك.
حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.