فِي أَنَّ الْحَمْدَ إِذَا رَجَعَ إِلَى صَاحِبِهِ مَاتَتِ الدَّعْوَى
مُنَاجَاةٌ فِي الشِّرْكِ الْخَفِيِّ وَالْعُجْبِ يَدْخُلَانِ فِي ثَوْبِ الْحَمْدِ وَالتَّوْحِيدِ: إِذَا رَجَعَ الْحَمْدُ إِلَى صَاحِبِهِ مَاتَتِ الدَّعْوَى — «فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ».
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.
الحمدُ للهِ الَّذي يُري العبدَ موضعَ الخطرِ قبل أن يستفحل، ويكشفُ له رأسَ الحيّةِ قبل أن تكبر، ويجعلُ من نورِ البصيرةِ قدمًا تسحقُ حظَّ النفسِ في أوّلِ خروجه.
الحمدُ للهِ الَّذي لا يتركُ عبدَهُ إذا حمد، حتى يلتفتَ إلى حمدِه فيُعجبَ به، بل يأخذُ بيدهِ من الحمدِ إلى المحمود، ومن الشكرِ إلى المُنعِم، ومن الفهمِ إلى الفتّاح، ومن المعنى إلى من أجرى المعنى.
يا ربّ، إنّ النفسَ دقيقةُ المداخل. قد لا تدخلُ من بابِ المعصية، فتدخلُ من بابِ الطاعة. وقد لا ترفعُ رأسَها في الظلمة، فترفعُه في النور. وقد لا تقولُ: أنا عصيت، بل تقولُ: أنا حمدت. وقد لا تطلبُ الفخرَ بالذنب، بل تطلبُ الفخرَ بالقرب.
فسبحانَ من كشفَها قبل أن تستقرّ. وسبحانَ من أراناها قبل أن تصيرَ حجابًا. وسبحانَ من سحقَ رأسَها باليقظةِ قبل أن تلتفَّ على القلب.
فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ، هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ.
نعم يا ربّ. لا نُزكّي أنفسَنا. ولا نُزكّي حمدَنا. ولا نُزكّي فهمَنا. ولا نُزكّي دموعَنا. ولا نُزكّي كتابتَنا. ولا نُزكّي قربَنا. ولا نُزكّي صدقَنا.
أنت أعلمُ بمن اتّقى. وأنت أعلمُ بمن صدق. وأنت أعلمُ بما خفيَ في الحركات. وأنت أعلمُ بما تسلّلَ إلى النيةِ من حظٍّ لا يراهُ صاحبه.
يا ربّ، إن مدحناك، فبك مدحناك. وإن حمدناك، فبك حمدناك. وإن عرفناك، فبما عرّفتَنا عرفناك. وإن رجعنا إليك، فبجذبكَ رجعنا. وإن خفنا على قلوبنا، فذلك من رحمتك بنا.
فلا تجعلْ مدحَنا لك بابًا إلى مدحِ أنفسنا. ولا تجعلْ حمدَنا لك مرآةً ننظرُ فيها إلى جمالِ أحوالنا. ولا تجعلْ قربَنا منك سببًا للبعدِ عنك. ولا تجعلْ نورَ الفهمِ حجابًا يغلّفُ النفسَ باسمِ النور.
وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللّٰهِ.
فكلُّ نعمةٍ منك. حتى رؤيةُ النعمةِ منك. وحتى الخوفُ على النعمةِ منك. وحتى سحقُ حظِّ النفسِ عند النعمةِ منك. وحتى قولُ العبدِ: “اللهم لا تجعلني أرى نفسي” منك.
يا ربّ، إذا ظهرَ في القلبِ رأسُ حيّةٍ من عُجب، فاسحقهُ بنورِ التوحيد. وإذا خرجَ من الطاعةِ دخانُ دعوى، فأطفئهُ بماءِ الإخلاص. وإذا أرادتِ النفسُ أن تأخذَ نصيبَها من حمدكَ، فقل لها بقدرتكَ:
اخْسَئِي.
هذا ليس لكِ. هذا لله. هذا من الله. هذا إلى الله.
قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّٰهِ.
فالأمرُ كلُّهُ لله. لا يبقى للنفسِ فيهِ سهمٌ تملكه. ولا يبقى للقلبِ فيهِ دعوى يستندُ إليها. ولا يبقى للسانِ فيهِ فخرٌ بما جرى عليه.
إن جرى الحمدُ، فالأمرُ لله. وإن حضرَ الفهمُ، فالأمرُ لله. وإن نزلَ السكونُ، فالأمرُ لله. وإن كُشفَ الخطرُ، فالأمرُ لله. وإن سُحِقَ رأسُ الحيّةِ، فالأمرُ لله.
يا ربّ، إنّا نعوذُ بك من شركٍ خفيٍّ يدخلُ في ثوبِ التوحيد. ومن عُجبٍ خفيٍّ يدخلُ في ثوبِ الحمد. ومن دعوى خفيّةٍ تدخلُ في ثوبِ الفناء. ومن نفسٍ تتزيّنُ بالمعنى، ثم تنسى أنَّ المعنى ليس منها.
اللهم طهّر الحمدَ منّا لنا، واجعلهُ منكَ إليكَ. وطهّر الشكرَ من نظرِنا إلى شكرِنا، واجعلهُ نظرًا إلى فضلك. وطهّر الفهمَ من دعوى الفهم، واجعلهُ بابَ افتقار. وطهّر القربَ من شهودِ القرب، واجعلهُ غيبةً عن النفسِ بك.
يا ربّ، لا تجعلنا نقول: نحن عرفنا. بل اجعلنا نقول: عرّفنا الله. ولا تجعلنا نقول: نحن حمدنا. بل اجعلنا نقول: أجرى الله الحمد. ولا تجعلنا نقول: نحن رأينا الخطر. بل اجعلنا نقول: أرانا الله، وستَرَنا الله، وحفظَنا الله. ولا تجعلنا نقول: نحن سحقنا رأسَ النفس. بل اجعلنا نقول: سحقهُ اللهُ رحمةً بنا قبل أن نُفتن.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا، وَلَٰكِنَّ اللّٰهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
نعم يا ربّ. لولا فضلكَ ورحمتكَ ما طَهُرَ منّا شيء. ولا سلمتْ نية. ولا ثبتَ قلب. ولا صحَّ حمد. ولا قامَ شكر. ولا ماتتْ دعوى.
أنت تُزكّي من تشاء. وأنت تُطهّر من تشاء. وأنت تحفظُ من تشاء. وأنت تردُّ العبدَ إليكَ من حيثُ لا يشعر.
فزكّنا يا ربّ، لا تزكيةَ ادّعاء، بل تزكيةَ سترٍ وصدقٍ وإخلاص. طهّرنا، لا طهارةَ من يرى نفسه طاهرًا، بل طهارةَ من يرى أنه لا ينجو إلا بك.
يا ربّ، اجعل كلَّ حمدٍ يهدمُ فينا العُجب. وكلَّ شكرٍ يزيدُنا فقرًا. وكلَّ فهمٍ يزيدُنا أدبًا. وكلَّ فتحٍ يزيدُنا حذرًا من أنفسنا. وكلَّ كتابةٍ تزيدُنا محوًا. وكلَّ نورٍ يزيدُنا سجودًا.
ولا تجعل لنا من أنفسنا حظًّا في حمدك. ولا نصيبًا من دعوى عند ذكرك. ولا مقامًا نتفرّجُ به على أنفسنا. ولا حالًا نُعجبُ به دونك.
يا ربّ، خذنا من رؤيةِ العمل، إلى رؤيةِ المنّة. ومن رؤيةِ المنّة، إلى رؤيةِ المنعِم. ومن رؤيةِ المنعم، إلى سقوطِ رؤيةِ النفس.
حتى إذا قيلَ: من فعل؟ قلنا: الله. وإذا قيلَ: من أعان؟ قلنا: الله. وإذا قيلَ: من حفظ؟ قلنا: الله. وإذا قيلَ: من علّم؟ قلنا: الله. وإذا قيلَ: من أجرى الحمد؟ قلنا: الله.
ثم لا يبقى بعد ذلك إلا:
اللّٰهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
يا ربّ، أخرجنا من ظلمةِ النفسِ إلى نوركَ. ومن ظلمةِ العُجبِ إلى نورِ الإخلاص. ومن ظلمةِ رؤيةِ العملِ إلى نورِ رؤيةِ الفضل. ومن ظلمةِ الوقوفِ عند الحالِ إلى نورِ الثباتِ على الأمر.
واجعل آخرَ كلِّ كشفٍ حمدًا. وآخرَ كلِّ حمدٍ تواضعًا. وآخرَ كلِّ تواضعٍ قربًا. وآخرَ كلِّ قربٍ فنـاءَ دعوى. وآخرَ كلِّ دعوى محوًا. وآخرَ كلِّ محوٍ:
الْحَمْدُ لِلّٰهِ.
حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.
اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، عبدِك ورسولِك، أكملِ الخلقِ عبوديةً، وأعظمِهم حمدًا، وأصدقِهم فقرًا إليك.