«الْفَتْحُ فِتْنَةٌ، وَالْمَنْعُ رَحْمَةٌ»
مُنَاجَاةٌ لَا فِي خَوْفِ ضَيَاعِ الدُّنْيَا، بَلْ فِي الْخَوْفِ عَلَى الْقَلْبِ: أَنْ نَتَعَلَّقَ بِمَا فُتِحَ فَنَغْفَلَ عَمَّنْ فَتَحَ، وَأَنْ يَصِيرَ الْحَمْدُ حَظًّا لِلنَّفْسِ، وَأَنْ نَعُودَ إِلَى دَعْوَى بَعْدَ مَحْوٍ — «لَا تَكِلْنَا إِلَى أَنْفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ».
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
اَللّٰهُمَّ يَا مَنْ رَدَدْتَ الْقَلْبَ إِلَيْكَ بَعْدَ تِيهِهِ، وَأَذَقْتَهُ حَلَاوَةَ الرُّجُوعِ بَعْدَ غَفْلَتِهِ، وَجَعَلْتَ الدُّعَاءَ لَهُ بَيْتًا بَعْدَ وَحْشَتِهِ؛ لَا تَكِلْهُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
يَا رَبِّ، إِنَّا لَا نَخَافُ ضَيَاعَ الدُّنْيَا، وَلَا نَخَافُ فَوَاتَ الْمَالِ، وَلَا نَخَافُ انْغِلَاقَ الْأَبْوَابِ، وَلٰكِنَّا نَخَافُ أَنْ نَغْفَلَ عَمَّنْ فَتَحَ، وَأَنْ نَتَعَلَّقَ بِمَا فَتَحَ، وَأَنْ نَنْسَى أَنَّ الْفَتْحَ فِتْنَةٌ كَمَا أَنَّ الْمَنْعَ رَحْمَةٌ.
اَللّٰهُمَّ إِنْ كُنَّا قَدْ ذُقْنَا مِنْ قُرْبِكَ شَيْئًا، فَلَا تَجْعَلْنَا بَعْدَهُ مِنَ الْمَحْرُومِينَ. وَإِنْ كُنَّا قَدْ عَرَفْنَا طَرِيقَ الرُّجُوعِ، فَلَا تَطْرُدْنَا عَنْ بَابِكَ بِغُرُورِنَا. وَإِنْ كُنَّا قَدْ قُلْنَا: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ، فَلَا تَجْعَلِ الْحَمْدَ حُجَّةً عَلَيْنَا إِذَا طَلَبْنَا فِيهِ حَظًّا لِأَنْفُسِنَا.
يَا مَنْ يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ. وَيَا مَنْ يَصْرِفُ الْقُلُوبَ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ. وَيَا مَنْ يَرُدُّ الْعَبْدَ إِلَيْهِ، رُدَّنَا إِلَيْكَ رَدًّا جَمِيلًا، لَا رَدًّا بِالْكَسْرِ، بَلْ رَدًّا بِاللُّطْفِ، لَا رَدًّا بِالْحِرْمَانِ، بَلْ رَدًّا بِالرَّحْمَةِ.
اَللّٰهُمَّ اجْعَلْ خَوْفَنَا مِنْكَ نُورًا، لَا يَأْسًا. وَاجْعَلْ وَجَلَنَا مِنْكَ أَدَبًا، لَا قُنُوطًا. وَاجْعَلْ خَشْيَتَنَا مِنْكَ حِفْظًا، لَا هَلَعًا.
رَبَّنَا، لَا تَسْلُبْ مِنَّا مَا عَرَّفْتَنَا، وَلَا تَحْجُبْ عَنَّا مَا أَذَقْتَنَا، وَلَا تَرُدَّنَا إِلَى ظُلْمَةٍ بَعْدَ نُورٍ، وَلَا إِلَى غَفْلَةٍ بَعْدَ ذِكْرٍ، وَلَا إِلَى دَعْوَى بَعْدَ مَحْوٍ، وَلَا إِلَى أَنَانِيَّةٍ بَعْدَ حَمْدٍ.
اَللّٰهُمَّ إِنَّا نَخَافُ أَنْ نُحِبَّ النِّعْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُنْعِمِ، وَنَخَافُ أَنْ نَفْرَحَ بِالْفَتْحِ وَنَنْسَى الْفَتَّاحَ، وَنَخَافُ أَنْ نَطْمَئِنَّ إِلَى مَا فِي أَيْدِينَا وَنَغْفَلَ عَمَّنْ قَلْبُنَا بِيَدِهِ.
فَاحْفَظْنَا مِنَّا، وَاحْفَظْنَا بِكَ، وَاحْفَظْنَا لَكَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ أُعْطُوا فَنَسُوا، وَلَا مِمَّنْ فُتِحَ لَهُمْ فَاغْتَرُّوا، وَلَا مِمَّنْ تَكَلَّمُوا بِالْحَمْدِ ثُمَّ طَلَبُوا بِهِ مَنْزِلَةً عِنْدَ النَّاسِ.
يَا رَبِّ، إِنْ أَعْطَيْتَ فَثَبِّتْنَا، وَإِنْ مَنَعْتَ فَارْضِنَا، وَإِنْ قَرَّبْتَ فَأَدِّبْنَا، وَإِنْ حَذَّرْتَ فَأَيْقِظْنَا، وَإِنْ كَشَفْتَ لَنَا حَظَّ نُفُوسِنَا فَلَا تَفْضَحْنَا، بَلْ اسْتُرْنَا، وَطَهِّرْنَا، وَرُدَّنَا إِلَيْكَ.
اَللّٰهُمَّ اجْعَلْنَا نَخَافُكَ كَأَنَّنَا نَرَاكَ، وَنَرْجُوكَ كَأَنَّنَا لَا نَرَى إِلَّا رَحْمَتَكَ، وَنَحْمَدُكَ كَأَنَّ الْحَمْدَ آخِرُ مَا نَمْلِكُ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ كَأَنَّنَا لَا نَمْلِكُ شَيْئًا أَصْلًا.
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.