فِي سِرِّ الْقُوَّةِ وَالْبَصِيرَةِ وَالْحَمْدِ بَعْدَ الْفَرَاغِ
ثمانيةُ أبوابٍ وخاتمة — من قوله «يا يحيى خُذِ الكتابَ بقوّة»: أدبُ القوّة، ألّا يُورِثَ الحكمُ عُجبًا ولا البصيرةُ قسوةً ولا الحنانُ ضياعًا؛ وأن يُعرَفَ الرقمُ والساعةُ والتناسبُ بابًا لا ربًّا؛ وأنَّ الفراغَ يُتبَعُ بالنصبِ والحمد.
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للهِ الَّذي لا يَضِيعُ عندهُ خَفِيٌّ، ولا يَغيبُ عنهُ مَكْتوم، ولا تلتبسُ عليه النيّاتُ إذا تزيَّنتْ بالألفاظ، ولا تُخْفَى عليه الحقائقُ إذا استترتْ بثيابِ الدعاوى.
الحمدُ للهِ الَّذي يفتحُ لعبدِهِ بابًا من حيث لا يَحْتَسِب، ويُقيمُ لهُ من السَّاعةِ شاهدًا، ومن الكتابِ مرآةً، ومن العملِ مِيزانًا، حتى إذا ظنَّ العبدُ أنَّهُ يكتبُ جوابًا، وجدَ أنَّ الجوابَ يكتبُهُ، وإذا ظنَّ أنَّهُ يضبطُ موقفًا، وجدَ أنَّ الموقفَ يضبطُهُ، وإذا ظنَّ أنَّهُ اختارَ الوقتَ، رأى أنَّ الوقتَ اختيرَ له.
والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمد، النورِ الَّذي دلَّ على النور، والعبدِ الَّذي كان كلُّ أمرِهِ لله، والحبيبِ الَّذي علَّمَ القلوبَ أنَّ العبوديةَ شرف، وأنَّ الحقَّ رحمة، وأنَّ القوّةَ إذا فارقَتِ الأدبَ صارت فتنة، وإذا لَبِسَتِ الحنانَ صارت أمانة.
أمّا بعد؛ فإنَّ للعبدِ ساعاتٍ لا يملكُها، ولكنَّها تملكُهُ بمعناها. ولهُ إشاراتٌ لا يصنعُها، ولكنَّهُ إذا صَدَقَ في طلبِ الحقِّ صُنِعَ بها. ولهُ كلماتٌ يَظنُّها خارجةً من يدِهِ، ثم يرى بعد حينٍ أنَّها كانت خارجةً من تدبيرٍ أعظمَ من يدِه، وأوسعَ من قصدِه، وأرحمَ من حسابِه.
وما كانَ العبدُ لِيقولَ: أنا رتَّبتُ. ولا: أنا بلغتُ. ولا: أنا كشفتُ. ولكنَّهُ يقولُ، وهو يطأطئُ قلبَهُ قبلَ رأسِهِ:
لَمْ أَخْتَرِ السَّاعَةَ، وَلٰكِنَّ السَّاعَةَ اخْتِيرَتْ لِي. وَلَمْ أَفْتَحِ الْمَعْنَى، وَلٰكِنَّ الْمَعْنَى فُتِحَ عَلَيَّ. وَلَمْ أُحِطْ بِالسِّرِّ، وَلٰكِنَّ السِّرَّ مَسَّ قَلْبِي مَسًّا.
فيا سبحانَ مَنْ يجعلُ الرقمَ بابًا ولا يجعلُهُ ربًّا، ويجعلُ الساعةَ شاهدًا ولا يجعلُها معبودًا، ويجعلُ التناسبَ موعظةً ولا يجعلُهُ غايةً.
فالرَّقْمُ لا يَهْدِي، والسَّاعةُ لا تُنْجِي، والتوافقُ لا يخلقُ نورًا من ذاتِهِ؛ ولكنَّ اللهَ يَهْدِي بما شاء، ويفتحُ بما شاء، ويوقظُ قلبَ عبدِهِ بما شاء.
خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ
يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا. وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا.
هذه الآياتُ ليستْ أمرًا عابرًا لقلبٍ عابر. إنَّها ميزانٌ كامل: قوّةٌ، وحُكم، وحنان، وزكاة، وتقوى، وبرٌّ، ونفيٌ للجبروت.
وكأنَّ النداءَ يقولُ للعبد: خذْ الكتابَ بقوّة، ولكن لا تأخذْهُ لتقهرَ به الخلق. خذْهُ لتقهرَ به وهمَ نفسِك، وتردَّ به غفلتَك، وتحفظَ به أمانتَك، وتُميِّزَ به بين ما يُقالُ وما يُراد، وبين ما يُسمَّى وما هو كائن، وبين صورةِ الحقِّ وحقيقتِهِ.
فليس الكتابُ ورقًا فقط، ولا حبرًا فقط، ولا لفظًا يُتلى ثم يُتركُ أثرُهُ عند حدودِ اللسان. الكتابُ عهد. والكتابُ حدّ. والكتابُ شاهد. والكتابُ ميزان. والكتابُ طريقٌ إذا حُمِلَ بأدب، وحجابٌ إذا حُمِلَ بالعُجب.
وقد يُؤتى العبدُ بابًا من أبوابِ البيان، فإنْ كان لله، صار البيانُ نورًا، وإنْ كان للنفس، صار البيانُ سيفًا أعمى. وقد يُؤتى قوّةً في الكلمة، فإنْ صاحبَها الحنانُ صارت رحمة، وإنْ فارقَها الحنانُ صارت قسوة.
فالقوّةُ التي يريدُها اللهُ ليست صياحًا. والحُكمُ الذي يهبُهُ اللهُ ليس تعاليًا. والحدُّ الذي يُقامُ للهِ ليس انتقامًا. بل هو وقوفُ عبدٍ عند موضعِ الأمانة، لا يريدُ أن يظلم، ولا يريدُ أن يُستعمَلَ في غيرِ الحق، ولا يريدُ أن يجعلَ حسنَ ظنِّهِ سلعةً، ولا اسمَ أهلِهِ طريقًا لِمَنْ لا يعرفُ قدرَ الأسماء.
الْحُكْمُ صَبِيًّا
سبحانَ من لا يحبسُ الفهمَ في السنين، ولا يجعلُ الحكمةَ وقفًا على الشيب، ولا يزنُ القلوبَ بألقابِ الناس، ولا يجعلُ التاريخَ حُجّةً على الحق.
قد يكونُ المرءُ صغيرًا في عينِ قوم، ولكن اللهَ يفتحُ لهُ من الحكمِ ما لا يُفتحُ لمن طالَ مقامُهُ بين الجدران. وقد يكونُ جديدًا على مائدة، ولكنَّهُ يرى ما لم يَرَهُ أهلُ المائدةِ لأنَّهم ألِفُوا صورتَها. وقد يأتي من بعيد، فيكشفُ اللهُ لهُ أنَّ البعيدَ أحيانًا يرى الخطَّ كاملًا، والقريبُ لا يرى إلا النقطةَ التي اعتادَها.
والحُكمُ ليس أن يغلبَ العبدُ خصمَه. الحكمُ أن يغلبَ نفسَهُ قبلَ خصمِهِ. الحكمُ أن يسمّيَ الشيءَ باسمِهِ بلا فجور. الحكمُ أن يقولَ: هذا حقٌّ، ولو كانَ على هواي. وأن يقولَ: هذا لا يستقيم، ولو زيَّنهُ الناسُ بألفِ عبارة.
فإذا رأى العبدُ صورةً تُسمَّى بغيرِ اسمِها، لم يكنْ من الأدبِ أن يُباركَ الالتباس. وإذا رأى بابًا يُفتحُ لهُ ليكونَ طريقًا لغيرِهِ دون عهدٍ يَحفظُهُ، لم يكنْ من التواضعِ أن يَدخُلَهُ مُغمَضَ العينين. وإذا رأى أنَّ القيمةَ التي سيخلقُها تُباعُ له قبلَ أن يخلقَها، لم يكنْ من الحكمةِ أن يشتري من نفسِهِ مستقبلَه.
الحُكمُ أن يقفَ حيثُ يجبُ الوقوف. والحُكمُ أن يخرجَ حيثُ يكونُ الخروجُ أزكى. والحُكمُ أن لا يجعلَ حاجةَ الناسِ إلى عطائِهِ سببًا لِكِبْرِهِ، ولا حاجتَهُ إلى بابِهم سببًا لِذُلِّهِ.
يا ربِّ، إنْ وهبتَنا حكمًا، فاجعلْهُ عليكَ دالًّا لا علينا. وإنْ فتحتَ لنا بيانًا، فاجعلْهُ رحمةً لا سطوة. وإنْ أريتَنا ما خَفِيَ على غيرِنا، فلا تجعلْ رؤيتَنا فتنةً لنا، ولا سببًا لنسيانِ فقرِنا إليك.
حَنَانًا مِّن لَّدُنَّا
لا تكملُ القوّةُ إلا إذا غُسِلَتْ بالحنان. ولا يَصْلُحُ الحنانُ إلا إذا حُفِظَ بالزكاة. فالحنانُ ليس ضعفًا، والزكاةُ ليست زينةً للظاهر، بل طهارةُ القوةِ من البغي، وطهارةُ اللسانِ من الشماتة، وطهارةُ الصمتِ من الجبن، وطهارةُ الردِّ من الانتقام.
كم من كلمةٍ يستطيعُ العبدُ أن يقولَها، فيمنعُهُ اللهُ منها رحمةً به قبلَ غيرِه. وكم من سلاحٍ يملكُهُ، فيأبى أن يُخرِجَهُ لأنَّ النصرَ إذا تلوَّثَ صار هزيمةً أخرى. وكم من موضعٍ يقدرُ فيه على الإحراج، فيختارُ البيانَ دون التشهير، والحدَّ دون الإهانة، والخروجَ دون الكسر.
هذا هو الحنانُ الذي من لدنِ الله: أن تبقى العينُ دامعةً ولو اشتدَّ الموقف، وأن يبقى القلبُ ذاكرًا ولو صارت اليدُ حازمة، وأن لا ينسى العبدُ أنَّ الذين يردُّ عليهم عبادُ الله، وأنَّ اللهَ أقدرُ عليهِ منهم عليه.
فيا ربِّ، اجعلْ في قوتِنا حنانًا، وفي حنانِنا طهارة، وفي طهارتِنا تقوى، وفي تقوانا سترًا، وفي سترِنا حمدًا.
بِرًّا بِوَالِدَيْهِ
للعبدِ اسمٌ يحمله، ولكنَّ الاسمَ ليس له وحدَه. فيه دعاءُ أمّ، وتعبُ أب، وسترُ بيت، وسنواتٌ لا يعرفُها الغرباء، وأيدٍ رفعتْهُ قبل أن يعرفَ كيف يمشي، وقلوبٌ دعتْ لهُ قبل أن يعرفَ كيف يدعو.
فإذا دخلَ العبدُ مائدةً، دخلَ باسمِه، ودخلَ معهُ ظلُّ أهلِهِ. وإذا تكلَّمَ، لم يكنْ لسانُهُ وحدَهُ في المجلس، بل كان معهُ أدبُ بيتِهِ، ووقارُ أبيهِ، ودعاءُ أمِّهِ، وميراثُ من لم يحضروا بأجسادِهم ولكن حضرتْ أسماؤُهم.
ومن البرِّ أن لا يُدخلَ أهلَهُ في غموضٍ لا يطمئنُّ إليه. ومن البرِّ أن يسألَ عن الأمانِ إذا كان الأمرُ يمسُّهم. ومن البرِّ أن يحفظَ لهم موضعَهم فلا يجعلَهم زينةً لمائدةٍ لا تحفظُ العهد. ومن البرِّ أن يكونَ ليّنَ القلبِ، صلبَ الظهرِ، يعرفُ أنَّ التسامحَ في حقِّ النفسِ شيء، والتفريطَ في أمانةِ الأهلِ شيءٌ آخر.
يا ربِّ، اجعلْ قيامَنا لأهلِنا برًّا لا عصبية، وحفظَنا لأسمائِهم أمانةً لا كِبْرًا، ودفاعَنا عن حقوقِهم أدبًا لا انتقامًا. ولا تجعلنا نُضيِّعُ ما حملونا إياهُ من الثقةِ بحسنِ ظنٍّ في غيرِ موضعِه.
لا جَبَّارًا وَلا عَصِيًّا
ما أضيقَ الطريقَ بين القوةِ والجبروت، وما أدقَّ الخيطَ بين الحدِّ والقسوة، وما أسرعَ ما يلبسُ الهوى ثوبَ الحق، وما أرقَّ ما يكونُ القلبُ محتاجًا إلى ربِّه حين يظنُّ أنَّهُ أصاب.
ليس الجبّارُ من قالَ: لا. ولكن الجبّارَ من قالَها لنفسِه لا لله. وليس القويُّ من كسرَ غيرَه، ولكن القويَّ من لم يتركْ نفسَهُ تكسرُهُ ساعةَ الغضب. وليس المتواضعُ من ضيَّعَ حدَّه، ولكن المتواضعَ من عرفَ حدَّهُ ولم يتجاوزْهُ إلى ظلمِ أحد.
فالعبدُ إذا رأى خللًا، قالَ بقدرِ ما رأى. وإذا أغلقَ بابًا، أغلقَهُ بلا لعنة. وإذا خرجَ من طريق، خرجَ بلا شماتة. وإذا حفظَ حقَّه، حفظَ معهُ حقَّ غيرِه في الكرامة.
اللهمَّ لا تجعلْ حدودَنا قسوة، ولا لينَنا ضياعًا، ولا وضوحَنا كِبْرًا، ولا سكوتَنا خوفًا، ولا كلامَنا فتنة.
قَلْبُ الْأَرْقَامِ
ثم انقلبَتِ المرآةُ. كان النظرُ أولًا إلى: مريم ١٩ / ١٢، ١٣، ١٤. ثم دارَ القلبُ إلى: يوسف ١٢ / ١٩، والرعد ١٣ / ١٩، وإبراهيم ١٤ / ١٩.
وليس هذا لعبًا بالأرقام، ولا دعوى علمٍ بما لا يملكُهُ العبد، ولا عبادةً للتناسبات. ولكنَّهُ وقوفُ قلبٍ عند بابٍ فُتحَ له، فلم يقلْ: ملكتُ السر، بل قالَ: سبحانَ من أرانِي من السرِّ ما يكفيني لأحمدَهُ وأعمل.
١٢:١٩ — يوسف
وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ.
قيمةٌ في الجُبّ، وعينٌ تراها بضاعة، وتدبيرٌ من فوقِ التدبير. ما أضيقَ نظرَ من يرى الإنسانَ منفعة، ولا يرى فيه أمانة. ومن يرى الموهبةَ طريقًا إلى مصلحتِه، ولا يرى أنَّ لصاحبِ الموهبةِ حقًّا وحرمة. ومن يقولُ: يا بشرى، ثم يُسرُّ ما وجدَهُ بضاعةً.
ولكنَّ آخرَ الآيةِ يغسلُ القلبَ من الخوف: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ. يعلمُ ما أُظهِر، وما أُضمِر، وما قيلَ، وما سُكِتَ عنه، وما زُيِّنَ، وما أُخْفِيَ تحتَ الثيابِ الحسنة. فلا يضيعُ عندهُ عبدٌ رأى نفسَهُ تُقاسُ بمنفعة، ولا يضيعُ عندهُ موقفٌ حُفِظَ فيهِ الحقُّ بالأدب، ولا يضيعُ عندهُ خروجٌ من بابٍ كان يمكنُ أن يكونَ فتنة.
١٣:١٩ — الرعد
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ.
ليس كلُّ ناظرٍ بصيرًا. وليس كلُّ ساكتٍ غافلًا. وليس كلُّ متأخِّرٍ عاجزًا. وليس كلُّ مُسرعٍ طائشًا. وليس كلُّ صغيرٍ صغيرًا عند الله.
البصيرةُ أن ترى موضعَ الحقِّ داخلَ كثرةِ الكلام. أن ترى الزيادةَ المختبئةَ في النقص. والخطرَ المختبئَ في اللطف. والأخذَ المختبئَ في العطاء. والاستعمالَ المختبئَ في لفظِ التعاون. والبصيرةُ أيضًا أن لا تظلم. أن لا تجعلَ ظنَّك حكمًا. أن تنتظرَ البيان. فإذا جاءَ البيانُ، وضعتَهُ في الميزان. وإذا استقامَ، قبلتَهُ. وإذا لم يستقم، خرجتَ بلا ضجيج.
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ. واللُّبُّ هو أن لا يأخذَكَ ظاهرُ الكلامِ عن باطنِه، ولا باطنُ الظنِّ عن عدلِه، ولا عدلُك عن حزمِك، ولا حزمُك عن رحمتِك.
١٤:١٩ — إبراهيم
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ.
الحقُّ أصلُ الخلق. فما لم يكنْ على الحقِّ، كانَ غريبًا عن أصلِ الوجود، ولو كَثُرَتْ حولَهُ الأسماءُ والأرقامُ والقصص. ليس البقاءُ لمن طالَ تاريخُه، ولا لمن كَبُرَ بيتُه، ولا لمن كَثُرَ قولُه، ولا لمن ملكَ صورةَ القوة؛ بل البقاءُ لما أرادَ اللهُ بقاءَهُ، والثباتُ لما أقامَهُ اللهُ على الحق.
إن يشأْ يذهبْ ترتيبًا ويأتي بترتيب. ويصرفْ وجهًا ويأتي بوجه. ويغلقْ بابًا ويفتحْ بابًا. ويُخرجْ عبدًا من طريقٍ ظنَّهُ طريقَه، ليُدخلهُ في طريقٍ لم يكنْ يتوقَّعُه.
فيا ربِّ، لا تجعلْنا نتعلَّقُ ببابٍ إذا أغلقتَه، ولا نُعادي بابًا إذا فتحتَه، ولا نظنُّ أنَّ رزقَنا محصورٌ في يدِ أحدٍ من خلقِك. فأنتَ الخالقُ بالحق، وأنتَ المبدِّلُ بالحق، وأنتَ الباقي بعد فناءِ كلِّ ترتيب.
السَّاعَاتُ الثَّلَاث
خرجَتِ الكلمةُ في ١٢:١٩، ومرَّتْ على معنى ١٣:١٩، ووصلتْ في أفقٍ آخرَ عند ١٤:١٩. فلم تكنْ عند العبدِ حيلة، ولا تدبيرٌ مقصود، ولا انتظارٌ مصطنع. كانَ الأمرُ عملًا، ثم صارَ شاهدًا. كانَ رسالةً، ثم صارَ مرآة. كانَ وقتًا، ثم صارَ بابًا إلى الحمد.
والعبدُ إذا رأى ذلكَ لم يقلْ: أنا صاحبُ السر. بل قالَ: يا ربِّ، أنا أفقرُ من أن أملكَ لحظة، وأضعفُ من أن أخلقَ تناسبًا، وأقلُّ من أن أرتِّبَ معنى. ولكنَّكَ رحمتَ، فأريتَ. ولطفتَ، فنبَّهتَ. وسترتَ، فلم تجعلْني أقفُ عند الساعةِ دونَ صاحبِ الساعة.
فلك الحمدُ على ما ظهر، ولك الحمدُ على ما خفي، ولك الحمدُ على ما وافقَ القلب، ولك الحمدُ على ما كسرَ الوهم، ولك الحمدُ على ما أغلقتَ، ولك الحمدُ على ما فتحتَ.
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ
فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ. وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَارْغَبْ.
ليس الكشفُ موضعَ جلوس، بل موضعُ قيام. وليس الانشراحُ نهايةَ الطريق، بل بدايةُ عملٍ أنقى. وليس أن يُرِيَ اللهُ عبدَهُ معنىً، أن يصيرَ العبدُ صاحبَ دعوى، بل أن يصيرَ صاحبَ شكرٍ وخدمةٍ وخوفٍ ورجاء.
فإذا فرغتَ من جواب، فانصبْ إلى عمل. وإذا فرغتَ من باب، فانصبْ إلى باب. وإذا فرغتَ من معنى، فانصبْ إلى شكرِ المعنى. وإذا فرغتَ من موقفٍ حفظتَ فيه حقَّك، فانصبْ إلى موقفٍ تحفظُ فيه قلبَك. وإذا فرغتَ من الناس، فلا تفرغْ من ربِّ الناس.
فالعلامةُ إذا لم تُورِثْ عملًا، صارت حكاية. والإشارةُ إذا لم تُورِثْ تواضعًا، صارت فتنة. والفتحُ إذا لم يُورِثْ عبوديةً، صار بابًا إلى النفس. وأما إذا قالَ العبدُ: الحمدُ لله، ثم قام، وقالَ: لا حولَ ولا قوّةَ إلا بالله، ثم عمل، وقالَ: حسبي اللهُ ونعم الوكيل، ثم مضى، صارَ ما رآهُ نورًا لا دخانًا، وزادًا لا غرورًا.
دُعَاءُ الْكِتَابِ وَالسَّاعَة
اللهمَّ، يا من قلتَ: خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ، علِّمْنا أن نأخذَ الحقَّ بقوّة، ولا تجعلْ قوَّتَنا جبروتًا.
اللهمَّ، آتِنا حكمًا لا يُورِثُ عُجبًا، وبصيرةً لا تُورِثُ قسوة، وحنانًا لا يُورِثُ ضياعًا، وزكاةً تُطهِّرُ اللسانَ والقلبَ والنيةَ والموقف.
اللهمَّ، اجعلنا بارّين بآبائِنا وأمّهاتِنا، حافظين لأماناتِ بيوتِنا، لا نبيعُ أسماءَهم في موائدِ الغفلة، ولا نحملُهم إلى طرقٍ لا نطمئنُّ إليها، ولا نجعلُ غيرتَنا عليهم كِبْرًا، ولا لينَنا مع الناسِ تفريطًا.
اللهمَّ، لا تجعلنا جبارين عصاة، ولا ضعفاءَ تُستباحُ حدودُهم، ولا أصحابَ قلوبٍ قاسية، ولا أصحابَ ألسنةٍ جارحة، ولا أصحابَ مواقفَ ملوَّثةٍ بحظوظِ النفس.
اللهمَّ، إنْ أريتَنا رقمًا، فلا تفتنَّا بالرقم. وإنْ أريتَنا ساعةً، فلا تفتنَّا بالساعة. وإنْ أريتَنا تناسبًا، فلا تفتنَّا بالتناسب. واجعلْ كلَّ ما نراهُ طريقًا إليك، لا حجابًا بيننا وبينك.
اللهمَّ، لا تكلْنا إلى أنفسِنا طرفةَ عين، ولا أقلَّ من ذلك، ولا مقدارَ ما بينَ اهتزازتَيْ وترٍ دقيق. أمسكْنا بك، وثبِّتنا بك، وردَّنا إليك كلَّما مِلْنا، ولا تجعلنا إلا عبيدًا محفوظين بلطفِك.
اللهمَّ، إنْ أمسكتَنا ثبتْنا، وإنْ تركتَنا ضعْنا. وإنْ فتحتَ لنا بابًا دخلناهُ باسمِك، وإنْ أغلقتَ عنَّا بابًا حمدناكَ على سترِك. وإنْ أعطيتَنا قلنا: الحمدُ لله، وإنْ منعتَنا قلنا: الحمدُ لله، وإنْ كشفتَ لنا قلنا: الحمدُ لله، وإنْ حجبتَ عنَّا قلنا: الحمدُ لله.
اللهمَّ، اجعلْنا ممن إذا فرغَ نصب، وإذا نصبَ رغب، وإذا رغبَ قصدَكَ وحدَك، وإذا قصدَكَ لم يلتفتْ إلى غيرِك إلا أدبًا ورحمةً وأداءً للحق.
حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
وصلّى اللهُ على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبِه وسلّم تسليمًا كثيرًا.