فِي حَمْلِ النِّعْمَةِ، وَخَوْفِ التَّقْصِيرِ، وَالسُّكُونِ إِلَى اللّٰهِ
مُنَاجَاةٌ فِي ثِقَلِ حَمْلِ النِّعْمَةِ وَسَكِينَةِ «حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ»: إِذَا كَانَ اللّٰهُ وَكِيلاً عَمِلَ الْعَبْدُ وَسَلَّمَ الْحَمْلَ إِلَيْهِ — وَدُعَاءُ الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَالْحَمْدُ لِلّٰهِ، وَلِلّٰهِ الْحَمْدُ.
الحمدُ للهِ الَّذي يُعطي النعمة، ثم لا يتركُ العبدَ وحدهُ تحتَ ثِقَلِها.
الحمدُ للهِ الَّذي يُكرم، ثم يُعينُ على شكرِ الكرامة.
الحمدُ للهِ الَّذي يفتحُ، ثم يحفظُ القلبَ من أن يضيعَ في الفتح.
الحمدُ للهِ الَّذي يُحمّلُ الأمانة، ثم يكونُ هو الوكيلَ عليها، والمولى فيها، والنصيرَ بها.
يا ربّ، إنَّ نعمكَ عظيمة، وأماناتكَ جليلة، والعبدُ ضعيفٌ بين يديك.
يرى ما أعطيتَه، فيقول: كيف أحمل؟ ويرى ما فتحتَه، فيقول: كيف أثبت؟ ويرى ما علّمتَه، فيقول: كيف لا أضيّع؟ ويرى ما قرّبتَه، فيقول: كيف لا أُحجب؟
ثم لا يجدُ ملجأً إلا أن يقول:
حَسْبُنَا اللّٰهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
اللهُ يكفينا. لا قوّتنا تكفينا. ولا فهمُنا يكفينا. ولا قلمُنا يكفينا. ولا قلبُنا يكفينا. ولا صدقُنا يكفينا إن لم تحفظهُ أنت.
أنتَ تكفينا يا ربّ.
أنتَ الوكيلُ إذا كَبُرت الأمانة. وأنتَ المولى إذا ضعفَ العبد. وأنتَ النصيرُ إذا خافَ القلبُ من نفسه. وأنتَ الحافظُ إذا كثُرت النعمُ وخافَ العبدُ من التقصير.
نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ.
يا ربّ، لسنا نخافُ النعمةَ لأنها منك، ولكن نخافُ أن لا نؤدّي حقَّها.
ولسنا نخافُ الطريقَ إذا كنتَ معنا، ولكن نخافُ أن نُتركَ لأنفسنا طرفةَ عين.
ولسنا نخافُ الفتحَ إذا كان منك، ولكن نخافُ أن يدخلَ فيه حظُّ النفس، أو دعوى القلب، أو غفلةُ اللسان، أو نسيانُ الشكر.
فاحملنا يا ربّ بما حملتنا. وأعنّا على ما أعطيتنا. واحفظنا فيما فتحتَ لنا. ولا تجعل النعمةَ حُجّةً علينا، بل اجعلها بابًا إليك.
يا ربّ، إنّ العبدَ قد يرى الخوفَ من بعيد، ثم يجدُ عندكَ سكينةً.
وقد يظنّ أنَّ الأمانةَ تُثقلُه، ثم يجدُ أنَّ قولَه: حسبنا الله، يرفعُ عنه ما لا يطيق.
وقد يخافُ من المسؤولية، ثم يتذكّرُ أنّ الوكيلَ هو الله.
فإذا كان اللهُ وكيلاً، فليس معنى ذلك أن يتركَ العبدُ العمل، بل أن يعملَ وهو يعلمُ أنَّ العملَ لا يقومُ إلا بالله.
وإذا كان اللهُ مولى، فليس معنى ذلك أن يتكبرَ العبدُ بالولاية، بل أن ينكسرَ بين يدي من تولّاه.
وإذا كان اللهُ نصيرًا، فليس معنى ذلك أن يظلمَ العبدُ أحدًا، بل أن يثبتَ على الحقّ بلا خوفٍ من ضياع.
يا ربّ، علّمنا أن نتوكّلَ بلا تواكل. وأن نعملَ بلا ادّعاء. وأن نفرحَ بلا غفلة. وأن نطمئنَّ بلا أمنٍ من مكر النفس. وأن نحملَ الأمانةَ بلا نسيانٍ لحقيقتنا.
فنحنُ عبيد. وأنتَ الربّ. نحنُ فقراء. وأنتَ الغنيّ. نحنُ ننسى. وأنتَ لا تنسى. نحنُ نخطئ. وأنتَ تغفر. نحنُ نضعف. وأنتَ تقوّي. نحنُ نضيق. وأنتَ تفتح.
نحنُ لا نعرفُ كيف نحمدُك كما ينبغي، وأنتَ تُعلّمنا الحمدَ ثم تقبلهُ منّا.
يا ربّ، إنّ من رحمتكَ أنك لم تجعل الدعاءَ بابًا للكاملين فقط، بل جعلتَه بابًا للضعفاء، والخائفين، والناسين، والمخطئين، والذين لا يعرفون كيف يحملون ما أعطيتَهم.
فقلتَ لنا على لسانِ عبادكَ المؤمنين:
رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.
يا ربّ، لا تؤاخذنا إن نسينا.
لا تؤاخذنا إن نسينا قدرَ النعمة. أو نسينا شكرَها. أو نسينا ضعفَنا. أو نسينا أنَّ كلَّ شيءٍ منك. أو نسينا أنَّ آخرَ الطريقِ حمدٌ لا دعوى.
ولا تؤاخذنا إن أخطأنا.
إن أخطأنا في فهمٍ. أو أخطأنا في حكمٍ. أو أخطأنا في كلمةٍ. أو أخطأنا في شدّةٍ. أو أخطأنا في لينٍ في غير موضعه. أو أخطأنا حين ظننا أننا نحسنُ ونحنُ لا نحسن.
يا ربّ، أنتَ تعلمُ الإنسانَ من داخله. تعلمُ نيتَه قبل أن يشرحَها. وتعلمُ ضعفَه قبل أن يعتذر. وتعلمُ صدقَه وإن اختلطَ عليه التعبير. وتعلمُ خوفَه وإن لم يسمّه خوفًا. وتعلمُ حبَّه لك وإن عجزَ عن حملِ أدبِ الحبّ كما ينبغي.
فاغفر لنا إن قصّرنا في أدبِ ما أعطيت. واغفر لنا إن لم نعرف مقدارَ ما فتحت. واغفر لنا إن شكرنا قليلًا على نعمةٍ كثيرة. واغفر لنا إن غلبتنا إنسانيتُنا. واغفر لنا إن فرحنا فنسينا، أو خفنا فاضطربنا، أو فهمنا فظننّا أن الفهمَ لنا.
يا ربّ، لا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا.
لا تحملنا ما يكسرُ ظهورَنا. ولا ما يُغلقُ صدورَنا. ولا ما يُدخلنا في خوفٍ لا نطيقه. ولا ما يجعلُ الطريقَ ثقيلًا حتى ننسى رحمتَك. ولا ما يحوّلُ النعمةَ إلى رعبٍ، والأمانةَ إلى يأسٍ، والقربَ إلى قسوةٍ على النفس.
يا ربّ، لا تحمّلنا ما لا طاقةَ لنا به.
أعطنا ما نطيقُ حملهُ بك. وافتح لنا ما نطيقُ شكرَهُ بك. وأرِنا ما نطيقُ شهودَهُ بك. واكتب علينا من الخدمةِ ما لا يقطعنا عنك، بل يزيدنا افتقارًا إليك.
فإنَّ العبدَ إذا حملَ بنفسه انكسر، وإذا حملَ بك سجد. وإذا رأى نفسَهُ صاحبَ النعمة ضاع، وإذا رأى نفسَهُ محلَّ الفضل حمد. وإذا قال: أنا أحمل، تعب. وإذا قال: أنتَ تحملني، اطمأنّ.
يا ربّ، واجعل خوفَنا منك خوفَ أدبٍ لا خوفَ يأس. وخوفَ قربٍ لا خوفَ طرد. وخوفَ محبٍّ يخشى أن يُحجبَ عن محبوبه، لا خوفَ عبدٍ يفرُّ من مولاه.
واجعل حبَّنا لك حبًّا يثبتُنا، لا حبًّا يُغرينا بأنفسنا. واجعل رجاءنا فيك رجاءً يُقيمنا على العمل، لا رجاءً يُوقعنا في الغفلة. واجعل توكّلنا عليك توكّلَ عبدٍ يعلمُ أنَّ الأمرَ كلهُ لله، لا توكّلَ غافلٍ يتركُ الأسبابَ ثم يدّعي التسليم.
يا ربّ، إن قلتَ لنا: اعملوا، عملنا بك. وإن قلتَ لنا: اصبروا، صبرنا بك. وإن قلتَ لنا: اشكروا، شكرنا بك. وإن قلتَ لنا: ارجعوا، رجعنا بك. وإن قلتَ لنا: لا تخافوا، سكنّا بك. وإن قلتَ لنا: خافوا مقام ربّكم، خفنا بك ومنك وإليك.
فكلُّ حركةٍ صحيحةٍ منك. وكلُّ سكونٍ صحيحٍ منك. وكلُّ حملٍ صحيحٍ بك. وكلُّ نجاةٍ صحيحةٍ إليك.
يا ربّ، إنّنا لا نطلبُ أن تُسقطَ عنّا معنى الأمانة، بل نطلبُ أن لا تُسقطنا تحتَ ثقلها. ولا نطلبُ أن تُطفئَ نورَ الفهم، بل نطلبُ أن تحفظَ القلبَ من فتنةِ النور. ولا نطلبُ أن تُقلّلَ النعمة، بل نطلبُ أن تزيدَ معها الشكرَ والأدب. ولا نطلبُ أن تبعدَ عنّا المسؤولية، بل نطلبُ أن تكونَ أنتَ وكيلَنا فيها.
يا ربّ، إنّك إذا وكلتَ العبدَ إلى نفسه، ضاع. وإذا تولّيتَه، اهتدى.
فلا تكلنا إلى أنفسنا طرفةَ عين.
لا تكلنا إلى ذكائنا. ولا إلى صفائنا. ولا إلى فهمنا. ولا إلى صدقنا. ولا إلى كتابتنا. ولا إلى نيتنا. ولا إلى أسبابنا.
تولّنا أنت.
تولَّ قلوبنا. وتولَّ ألسنتنا. وتولَّ أقلامنا. وتولَّ أعمالنا. وتولَّ أبوابنا. وتولَّ ما علمنا وما لم نعلم.
يا ربّ، واعفُ عنّا. اعفُ عن عجزنا عن شكر النعمة. واعفُ عن اضطرابنا أمام الأمانة. واعفُ عن فرحٍ لم يكتمل فيه الأدب. واعفُ عن خوفٍ لم يكتمل فيه التسليم. واعفُ عن كلامٍ خرج قبل أن ينضج. واعفُ عن حكمٍ سبق موضعه. واعفُ عن غفلةٍ دخلت بين نعمةٍ وحمدها.
واغفر لنا. اغفر ذنوبَنا الظاهرةَ والباطنة. واغفر ما علمنا وما لم نعلم. واغفر ما قلناه وما كتمناه. واغفر ما كتبناه وما خطرَ في قلوبنا. واغفر ما حملتهُ إنسانيتُنا من ضعفٍ ونقصٍ وعجلةٍ ونسيان.
وارحمنا. ارحمنا رحمةً تحملُنا. ورحمةً تعلّمنا. ورحمةً تؤدّبنا. ورحمةً لا تتركنا. ورحمةً تجعلُ النعمةَ طريقًا إليك لا حجابًا عنك.
وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا.
أنتَ مولانا.
لا مولى لنا سواك. ولا وكيلَ لنا غيرك. ولا ناصرَ لنا إلا أنت. ولا حافظَ لنا إلا أنت. ولا ربَّ لنا إلا أنت.
أَنْتَ مَوْلَانَا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
وانصرنا يا ربّ على كلِّ كفرٍ يحجبُ القلبَ عنك.
على كفرِ النعمة. وعلى كفرِ الغفلة. وعلى كفرِ نسبةِ الفضلِ إلى النفس. وعلى كفرِ الوقوفِ عند السبب. وعلى كفرِ نسيانِ المنعِ إذا كان رحمة. وعلى كفرِ نسيانِ العطاءِ إذا صار عادة.
وانصرنا على نفوسنا إذا جحدت. وعلى أهوائنا إذا مالت. وعلى خوفنا إذا قطع. وعلى رجائنا إذا غفل. وعلى علمنا إذا لم يزدهُ خشوع. وعلى كلامنا إذا لم ينتهِ إلى الحمد.
يا ربّ، اجعلنا نحملُ ما أعطيتَنا بك. ونشكرُ ما أعطيتَنا بك. ونخافُ عليكَ من أنفسنا بك. ونطمئنُّ إليكَ بك. ونرجعُ إليكَ بك.
واجعل آخرَ كلِّ نعمةٍ حمدًا. وآخرَ كلِّ فهمٍ حمدًا. وآخرَ كلِّ خوفٍ حمدًا. وآخرَ كلِّ أمانةٍ حمدًا. وآخرَ كلِّ دعاءٍ حمدًا.
حسبنا الله ونعم الوكيل. نعم المولى ونعم النصير.
اللهمّ صلِّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.