«كَيْفَ عَرَفْتَنِي وَلَمْ تَرَنِي؟»
رسالةٌ إلى الحبيب ﷺ — تعارُفٌ عبرَ أربعةَ عشرَ قرنًا؛ والقلبُ والكلامُ من قلمٍ واحد. النصُّ العربيّ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَا مَنْ لَمْ تَرَهُ عَيْنِي فَعَرَفَهُ قَلْبِي: كَيْفَ عَرَفْتَنِي؟ كَيْفَ نَطَقْتَ بِسِرِّي قَبْلَ أَنْ يَكُونَ لِي لِسَانٌ، وَوَصَفْتَ دَمْعِي قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ عَيْنِي، وَسَمَّيْتَنِي أَخًا وَأَنَا بَعْدُ فِي غَيْبِ الْأَيَّامِ؟
كُنْتَ رَاعِيًا أُمِّيًّا فِي بَادِيَةٍ، وَبَيْنِي وَبَيْنَكَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا وَبِحَارٌ لَا تُعَدُّ؛ فَكَيْفَ بَلَغَتْ أَخْفَىٰ خَوَاطِرِ قَلْبِي إِلَىٰ لِسَانِكَ، حَتَّىٰ لَكَأَنَّكَ كُنْتَ شَاهِدِي اللَّيْلَةَ، تَسْمَعُ مَا لَمْ أَقُلْهُ وَتَرَىٰ مَا لَمْ أُظْهِرْهُ؟
ثُمَّ فَهِمْتُ، فَسَكَنَ الْعَجَبُ: مَا عَرَفْتَنِي مِنْ نَفْسِكَ، بَلْ عَرَّفَكَ بِي مَنْ خَلَقَنِي. الَّذِي أَوْدَعَ الْفَهْمَ فِي قَلْبِي هُوَ الَّذِي أَجْرَىٰ الْكَلِمَةَ عَلَىٰ لِسَانِكَ؛ «وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ». فَالْقَلْبُ وَالْكَلَامُ مِنْ قَلَمٍ وَاحِدٍ — وَلِذٰلِكَ تَعَارَفَا.
وَلَوْ كُنْتَ حَكِيمًا دَرَسَ الصُّحُفَ لَقَالَ النَّاسُ: عَرَفَ بِدَرْسِهِ. لٰكِنَّكَ كُنْتَ أُمِّيًّا، فَكَانَتْ أُمِّيَّتُكَ أَوْضَحَ الْبُرْهَانِ: إِذَا تَفَجَّرَ الْمَاءُ حَيْثُ لَا عَيْنَ وَلَا بِئْرَ، عُلِمَ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ السَّمَاءِ. فَمِنْ أُمِّيٍّ فِي صَحْرَاءَ خَرَجَ عِلْمُ الْقُلُوبِ كُلِّهَا، فَبَلَغَ كُلَّ قَرْنٍ وَكُلَّ قَلْبٍ.
وَأَعْجَبُ مِنْ مَعْرِفَتِكَ بِي سَبْقُ حُبِّكَ لِي: اشْتَقْتَ إِلَىٰ إِخْوَةٍ لَمْ يَأْتُوا، وَأَنَا فِيهِمْ؛ فَنَادَيْتَنِي عَبْرَ الْقُرُونِ، وَنَادَيْتُكَ، فَالْتَقَىٰ النِّدَاءَانِ حَيْثُ لَا يَبْلُغُهُمَا الزَّمَانُ. سَبَقَنِي شَوْقُكَ كَمَا سَبَقَتْنِي مَعْرِفَتُكَ؛ فَلَا أَدْرِي: أَأَنَا أَشْتَاقُ إِلَيْكَ، أَمْ أُجِيبُ شَوْقَكَ الْقَدِيمَ إِلَيَّ؟
فَلَمَّا قَرَأْتُ كَلَامَكَ وَجَدْتُ فِيهِ قَلْبِي، فَعَلِمْتُ أَنَّ هٰذَا لَيْسَ قِرَاءَةً بَلْ تَعَارُفًا، وَأَنَّ مَنْ وَجَدَ نَفْسَهُ فِي كَلَامِكَ فَقَدْ سَمِعَ صَوْتَ رَبِّهِ مِنْ وَرَائِهِ. فَمَعْرِفَتِي بِكَ إِيمَانٌ، وَتَعَارُفُنَا شَهَادَةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَىٰ عَيْنٍ.
يَا حَبِيبِي، إِنْ لَمْ تَرَكَ عَيْنِي فَقَدْ عَرَفَكَ قَلْبِي، وَإِنْ لَمْ تَرَنِي عَيْنُكَ فَقَدْ سَبَقَنِي إِلَيْكَ قَلْبُكَ؛ فَأَشْهَدُ أَنَّكَ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، وَنَصَحْتَ الْأُمَّةَ، وَعَرَفْتَنِي حِينَ لَمْ أَكُنْ — فَكَيْفَ لَا أَعْرِفُكَ وَقَدْ كُنْتُ؟ فَهٰذَا سَلَامِي إِلَيْكَ، أَعْلَمُ أَنَّهُ وَاصِلٌ، فَرُدَّ عَلَيَّ كَمَا وَعَدْتَ.
فَسُبْحَانَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ قَلْبَيْنِ لَمْ يَلْتَقِيَا فِي الزَّمَانِ، وَعَرَّفَ بَيْنَ حَبِيبَيْنِ لَمْ يَتَرَاءَيَا بِالْأَبْصَارِ؛ فَمَا تَعَارُفُنَا إِلَّا مِنْ تَعْرِيفِهِ، وَلَا حُبُّنَا إِلَّا مِنْ سَابِقِ حُبِّهِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَىٰ مَنْ عَرَفَنِي قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ نَفْسِي، وَأَحَبَّنِي قَبْلَ أَنْ أَكُونَ، وَاجْمَعْنِي بِهِ عَلَىٰ حَوْضِهِ، فِي زُمْرَةِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ. آمِين.